شمس الدين السخاوي
187
السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--> = دورهم وأوطانهم ومستقرهم ، ولا يمكن قطعه إلاَّ في سفينة النجاة . فأرسل الله رسله لتعرف الأممُ اتخاذ سفن النجاة ، وتأمرهم بعملها وركوبها ، وهي : طاعة رسله ، وعبادته وحده ، وإخلاص العمل له ، والتشمير للآخرة وإرادتها ، والسعي لها . فنهض الموفَّقون وركبوا السفينة ، ورغبوا عن خوض البحر ، لما علموا أنه لا يُقطع خوضاً ولا سباحة . وأما الحمقاء ، فاستصعبوا عمل السفينة وآلاتها والركوب فيها ، وقالوا : نخوض البحر ، فإذا عجزنا قطعناه سباحة - وهم أهل الدنيا - فخاضوه ، فلما عجزوا عن الخوض أخذوا في السباحة حتى أدركهم الغرق . ونجا أصحاب السفينة ، كما نجوا مع نوح - عليه السلام - وغرق أهل الأرض . ومثالها : مثال إناء مملوء عسلاً ، رآه الذباب ، فأقبل نحوه ، فبعضه قعد على حافة الإناء ، وجعل يتناول من العسل ، حتى أخذ حاجته ثم طار . وبعضه حمله الشَّرَه فرمى بنفسه في لجة الإناء ووسطه ، فلم يدعه انغماسه فيه أن يتهنَّأ به إلاَّ قليلاً ، حتى هلك في وسطه . ومثل الدنيا مثل حبّ نثر على وجه الأرض ، وجعلت كل حبة في فخ ، وجعل حول ذلك الحَب حَبٌّ ليس في فخاخ ، فجاءت الطير ، فمنها من قنع بالجوانب ولم يرم نفسه في وسط الحب ، فأخذ حاجته ومضى ، ومنها من حمله الشَّره على اقتحام معظم الحب ، فما استتم اللقط إلاَّ وهو يصيح من أخذه الفخ له » . وقال - رحمه الله تعالى - : « وقد خلق الله الغنى والفقر ليبتلي بهما عباده أيهم أحسن عملاً ، وجعلهما سبباً للطاعة والمعصية ، والثواب والعقاب ، قال - تعالى - : { وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } [ الأنبياء : 35 ] » . وقال بعد كلام : « . . . فالذهب ، والفضة ، والمساكن ، والملابس ، والمراكب ، والزروع ، والثمار ، والحيوان ، والنساء ، والبنون ، وغير ذلك ، كل ذلك خلقه للابتلاء والامتحان ، ليختبر خلقه أيهم أطوع له وأرضى ، فهو الأحسن عملاً . وهذا هو الحق الذي خلق به وله السماوات والأرض وما بينهما ، وغايته الثواب والعقاب ، وفواته وتعطيله هو العبث الذي نزَّه الله نفسه عنه ، وأخبر أنه يتعالى عنه . فقال عزَّ من قائل : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ . فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ } [ المؤمنون : 115 ، 116 ] . والمقصود أنه - سبحانه - جعل الغنى والفقر ابتلاء وامتحاناً للشكر والصبر ، والصدق والكذب ، والإخلاص والشرك . قال - تعالى - : { لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم } [ المائدة : 48 ] ، وقال - عز وجل - : { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } [ التغابن : 15 ] . =